تروي ليلى جاسينتو في هذا التقرير الإنساني المنشور على فرنسا 24 حكاية الكاتبة الفلسطينية صفاء النباهين، التي حوّلت الكتابة من فعل إبداعي إلى وسيلة نجاة في قلب حرب لا تهدأ. تبدأ القصة من قطعة أرض خالية قرب منزلها في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، حيث قررت النباهين تنظيم ورش بسيطة للأطفال تساعدهم على تخيّل عوالم تتجاوز الموت والدمار المحيطين بهم.


تشير الكاتبة في الفقرة الثانية إلى أن فرنسا 24 ترصد كيف جاء هذا المشروع في بدايات عام 2024، بينما كان النزوح الجماعي يجتاح القطاع مع أوامر الإخلاء الإسرائيلية، ما أدى إلى تهجير نحو 1.9 مليون فلسطيني من أصل 2.2 مليون بحلول نهاية العام. تدفقت العائلات من شمال غزة إلى وسطها وجنوبها، وارتفعت أعداد الشهداء، ومع كل قصف كان اليأس يتعمّق، إلى أن قررت صفاء أن تواجه هذا الواقع بالكلمات.


أطفال كبروا قبل أوانهم


تقول صفاء النباهين إنها بوصفها كاتبة وروائية رأت في السرد أداة لمساعدة الأطفال على التعبير عن عوالمهم الداخلية. لكنها سرعان ما صُدمت في أولى الجلسات حين اكتشفت أن بعض الأطفال “كبروا عشرين عامًا دفعة واحدة”. لم يعد لديهم حديث عن أحلام أو لعب، بل عن ملء أوعية الماء، وجمع الحطب، والخوف من المطر الذي قد يُغرق الخيام.


رغم ذلك، لم تتراجع. بدأت اللقاءات بإمكانات شديدة التواضع: صوتها، بعض الألعاب، وأفكار بسيطة للترفيه. جلست مجموعة من الأطفال في خيمة صغيرة على أطراف الأرض، يحملون – كما تصف – “جبلًا من الأمل في قلوبهم”. شيئًا فشيئًا، بدأ الأطفال يتفاعلون، وعادت مخيلتهم إلى العمل، ولو مؤقتًا.


خسارة شخصية وحرب لا تتوقف


بعد أكثر من عام، تواجه صفاء “جبلًا” آخر، لكنه جبل من اليأس. في أكتوبر 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفًا لإطلاق النار في قمة عُقدت بمصر، وسط شعارات عن السلام في الشرق الأوسط. غير أن صفاء ترى في هذا الإعلان وهمًا إعلاميًا، مؤكدة أن القصف لم يتوقف فعليًا، وأن عدد الشهداء استمر في الارتفاع حتى بعد الهدنة.


توضح أن حياتها اليومية بقيت محكومة بالخطر وانقطاع الاتصالات، حيث لا يسمح للصحافيين الأجانب بدخول غزة بحرية، وتعاني من انقطاع متكرر للإنترنت. خلال إحدى مقابلاتها، دوّى انفجار قريب من منزلها، لكنها أصرت على مواصلة الحديث.


وسط هذا الواقع، تلقت صفاء ضربة قاسية بفقدان شقيقها محمد في يوليو 2024 إثر قصف بطائرة مسيّرة أثناء جمعه الحطب. توقفت ورشها ستة أشهر حدادًا، وحاولت الاستمرار في دراستها الجامعية عبر الإنترنت رغم الظروف شبه المستحيلة.


البحر قاتلًا.. والكتابة ملاذًا


لم تمضِ سوى أشهر حتى فقدت شقيقها الثاني صائب، الذي خرج للصيد في محاولة لإعالة أطفاله الثلاثة. تلاحقه طائرة مسيّرة إسرائيلية في البحر، وتطلق النار عليه حتى يسقط على الشاطئ. تصف صفاء المشهد بمرارة، وتستعيد كلماته القديمة: “أنا ابن البحر، إذا تركته أموت”.


المفارقة أن يوم استشهاد صائب صادف توقيع صفاء عقد دعم مع معهد جوته الألماني لمشروعها الإبداعي، بينما كانت تؤدي امتحاناتها الجامعية النهائية. تصرّ على المضي قدمًا، وتبني خيمة كبيرة ملوّنة، وتستأنف الورش مع خمسين طفلًا تتراوح أعمارهم بين ثماني وخمس عشرة سنة. تضيف المسرح والغناء والقراءة الجماعية، وتصف التجربة بأنها كانت محاولة للنجاة من ألم الفقد بقدر ما كانت دعمًا للأطفال.


بعد انتهاء المشروع، يعود معظم الأطفال إلى شمال غزة، وتجد صفاء نفسها وحيدة مرة أخرى، فتعود إلى الكتابة. تنجز روايات ومجموعات شعرية، وتُعرض أعمالها في معارض عربية، لكن الواقع يفرض قيوده.


تحاول مغادرة غزة لاستكمال مسيرتها الفكرية، وتحصل على قبولات مشروطة في جامعات ومؤسسات غربية، غير أن القيود الإدارية وإغلاق المعابر يحبطان كل المحاولات. تراقب الفرص وهي تضيع، وتشعر بظلم عميق، لكنها ترفض الاستسلام.


تختم صفاء بالقول إنها لن تفقد الأمل، وإن الكتابة تظل طريقها الوحيد إلى الأمام، وطريقتها للبقاء حيّة في مكان يُصارع من أجل البقاء نفسه.

 

https://www.france24.com/en/middle-east/20260214-writing-for-survival-gaza-author-dares-to-hope-against-the-odds